فائق بطي.. وسلام عادل!!

بواسطة عدد القراءات : 2174
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

فائق بطي.. وسلام عادل!!

 

فالح حسون الدراجي

 

رحل عنا يوم أمس الأول في العاصمة البريطانية لندن، عميد الصحافة العراقية، ورأس الحربة في نضالاتها الوطنية لأكثر من ستة عقود، الدكتور فائق بطي. رحل أبو رافد عن عمر ناهز الواحد والثمانين عاماً بعد مرض غادر، خطفه من بين رفاقه وأهله ومحبيه.

 

وبقدر ما كان رحيل الدكتور بطي خسارة كبيرة للصحفيين الشيوعيين، ولعموم الأسرة الصحفية العراقية -كما جاء في بيان النعي الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي-، وخسارة فادحة للصحافة في العراق، التي فقدت برحيله أحد أبرز أعمدتها الذين نذروا حياتهم من أجل مهنة البحث عن الحقيقة -كما جاء في نعي نقابة الصحفيين العراقيين، فهو أيضاً خسارة فادحة لي شخصياً، وخسارة لكل من عرف هذا الرجل المترع بالمهنية، والوطنية، والثبات على الموقف، والصدق، وحب الناس الفقراء..

 

لقد أخترت ذكر نعي الحزب الشيوعي العراقي دون غيره في هذا المقال، لأني لم أجد في الكون، شيئاً عزيزاً، وغالياً لدى الفقيد بطي، مثل (معزّة) الحزب الشيوعي العراقي. فقد ولد وعاش ورحل الرجل وهو مكتنز بالأفكار الإنسانية، والقيم الوطنية، والمبادئ الشيوعية، فضلاً عن كونه واحداً من قادة الحزب في أصعب نضالاته ضد الدكتاتورية، والتسلط البعثي.

 

واخترت أيضاً، بعض ما ورد في النعي الذي أصدرته نقابة الصحفيين العراقيين بمناسبة رحيل الفقيد بطي، دون غيرها من المؤسسات الصحفية، لأني أعرف تماماً أن للفقيد أرثاً خالداً في تاريخ هذه النقابة. فهو واحد من مؤسسيها، وأحد بناة مجدها المهني والوطني، حتى أن الراحل كان يسألني عن الوضع في نقابة الصحفيين كلما أسعفني الحظ بلقائه بين فترة وأخرى، ويسألني أيضاً عن أوضاع الصحفيين المعيشية والمهنية بعد سقوط النظام.

 

ولد فائق بطي وفي يده قلم كما يقولون، فقد نشأ في بيت ثقافي، وصحافي رفيع، وترعرع في بيئة أدبية وسياسية عالية الشأن والقيمة. فقد كان أبوه روفائيل بطي واحداً من أعمدة الصحافة العراقية في بدايات وأواسط القرن الماضي، حيث أسس أكثر من جريدة ومجلة، كان آخرها جريدة البلاد التي بقيت مستمرة لأكثر من ربع قرن. لذلك لم يكن غريباً أن يصبح أبنه الدكتور فائق بطي أصغر رئيس تحرير في الصحافة العراقية آنذاك. ومع خط الصحافة الطويل والصعب، سار الفقيد فائق بطي أيضاً على خط النضال الوطني السياسي، الذي هو أشد صعوبة وخطورة من طريق الحرف دون أن يترك أحدهما، رغم السجون والمعتقلات والملاحقات، والمضايقات، والغربة التي لا ترحم، لاسيما وأن أبا رافد انتمى لنضالات الحزب الشيوعي العراقي مبكراً جداً، فقارع الطغاة بقلمه دون هوادة، وكان من الطبيعي أن يتعرض لكل هذا الأذى، وهذه الويلات.

 

سأتوقف عند هذا الحد من حياة الفقيد بطي التي يعرفها الكثير من العراقيين في الداخل والخارج، وأتحدث عن مواقف هذا الرجل معي. خاصة وأن له ديناً في عنقي لن انساه. فيوم غادرت العراق الى عمان في أواسط التسعينيات، اتصلت به في لندن، على الرغم من أن علاقتي به لم تكن قوية، لكنني فكرت به دون غيره، ربما لأن جميع الأبواب كانت مغلقة بوجهي. وحين رفع سماعة التلفون وقال: تفضل!

 

قلت له: انا فالح حسون الدراجي..

 

فقال: منو.. فالحنه؟

 

وكم كانت فرحتي كبيرة حين سمعت ذلك.. فقلت له أتمنى أن أكون فالحكم سيدي.. ثم حكيت له ظروفي من طقطق حتى السلام عليكم..

 

فتفهم وضعي، وراح ينشر لي موضوعات في (رسالة العراق) التي كانت تصدر في الخارج.. وكان ذلك النشر باباً واسعاً لعودتي الى ما كنت أحب، وأريد، وأتمنى.

 

ولعل الشيء الأهم الذي كان لأبي رافد دور مهم فيه.. أن الاتحاد الديمقراطي العراقي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو منظمة ديمقراطية تقدمية تضم كوكبة من الشخصيات الديمقراطية العراقية المحترمة، أقام قبل خمسة عشر عاماً حفلاً تأبينياً في ديترويت بذكرى استشهاد البطل سلام عادل، وقد كان أبو رافد حاضراً الحفل، وأذكر إني ساهمت بقراءة قصيدة عن الشهيد سلام، أسمها (سلام الحب). وما أن انتهيت من القراءة وأخذت مكاني بين الحضور حيث كنت جالساً الى جانب الفنان الراحل فؤاد سالم، حتى وجدت الدكتور بطي يقف على رأسي وهو يقول: (أگلك فالح مادام الأخ فؤاد موجود، ليش ما تسوّي هذي القصيدة أغنية، ويغنيها فؤاد..؟

 

فوافقت على الفور، كما أعجبت الفكرة فؤاد أيضاً.. وفي ليلتها أنهيت كتابة النص، ليتحول مشروع الأغنية الواحدة عن سلام عادل بعد ذلك الى شريط غنائي، يضم عشر أغنيات، عن عشرة شهداء وطنيين كبار، كتبت نصوصها جميعاً، وأداها فؤاد كلها بصوته الجميل ليظهر الشريط بعدها بإسم (شهداء الطريق) ..

 

لقد تحقق كل ذلك بفكرة الفقيد أبي رافد، وبدعم وتمويل الاتحاد الديمقراطي.

 

لذا، سأظل أتذكر الدكتور فائق بطي كلما سمعت أغنية الشهيد سلام عادل، أو سمعت غيرها من أغنيات الشهداء الذين كتبت لأرواحهم هذا الشريط المؤثر.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
أخر الإضافات
مؤيد اللامي يحضر افتتاح المنتدى العربي للحوار الإعلامي في العاصمة الأردنية عمّان
قائد شرطة محافظة النجف الاشرف يلتقي رئيس مجلس المحافظة لبحث الملفات الأمنية والتنسيق المشترك
إيقاف حركة الطيران المدني بين مطار النجف الدولي وإيران
الخزعلي يستقبل نقيب الصحفيين العراقيين ويؤكد أهمية دعم الصحفيين وتعزيز دورهم الوطني
انطلاق ملتقى النجف الأشرف الأول للحوار بمشاركة شخصيات سياسية ودينية وثقافية وإعلامية
مجاهدو الحشد الشعبي في النجف يصعّدون مطالبهم.. وقفة احتجاجية للمطالبة باستحقاقاتهم من قطع الأراضي
نقابة الصحفيين العراقيين المقر العام تنظم جلسة تطبيقية حول توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي و الإعلامي
تحويل المعهد التقني النجف إلى كلية البوليتكنك
السيد نوري المالكي يوجه رسالة إلى المدونين والإعلاميين والسياسيين
أصحاب المولدات في النجف يدعون إلى تجمع للمطالبة بحقوقهم
الفساد في العراق.. معركة استعادة الدولة والمال العام والنزاهة تطارد بؤرة الفساد
زيارة رئيس رابطة مولدات النجف الأشرف الى نقابة الصحفيين العراقيين فرع النجف الاشرف
رئيس اتحاد الصحفيين العرب يستقبل مستشار رئيس مجلس النواب لشؤون الثقافة والإعلام
فوج المهمات الخاصة الأول يشارك في تأمين مراسم التشييع في النجف الأشرف
وزير الاعلام المصري ومؤيد اللامي يبحثان العلاقات الثنائية والتحضير لانعقاد المؤتمر العام لاتحاد الصحفيين العرب