فائق بطي.. وسلام عادل!!

بواسطة عدد القراءات : 2138
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

فائق بطي.. وسلام عادل!!

 

فالح حسون الدراجي

 

رحل عنا يوم أمس الأول في العاصمة البريطانية لندن، عميد الصحافة العراقية، ورأس الحربة في نضالاتها الوطنية لأكثر من ستة عقود، الدكتور فائق بطي. رحل أبو رافد عن عمر ناهز الواحد والثمانين عاماً بعد مرض غادر، خطفه من بين رفاقه وأهله ومحبيه.

 

وبقدر ما كان رحيل الدكتور بطي خسارة كبيرة للصحفيين الشيوعيين، ولعموم الأسرة الصحفية العراقية -كما جاء في بيان النعي الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي-، وخسارة فادحة للصحافة في العراق، التي فقدت برحيله أحد أبرز أعمدتها الذين نذروا حياتهم من أجل مهنة البحث عن الحقيقة -كما جاء في نعي نقابة الصحفيين العراقيين، فهو أيضاً خسارة فادحة لي شخصياً، وخسارة لكل من عرف هذا الرجل المترع بالمهنية، والوطنية، والثبات على الموقف، والصدق، وحب الناس الفقراء..

 

لقد أخترت ذكر نعي الحزب الشيوعي العراقي دون غيره في هذا المقال، لأني لم أجد في الكون، شيئاً عزيزاً، وغالياً لدى الفقيد بطي، مثل (معزّة) الحزب الشيوعي العراقي. فقد ولد وعاش ورحل الرجل وهو مكتنز بالأفكار الإنسانية، والقيم الوطنية، والمبادئ الشيوعية، فضلاً عن كونه واحداً من قادة الحزب في أصعب نضالاته ضد الدكتاتورية، والتسلط البعثي.

 

واخترت أيضاً، بعض ما ورد في النعي الذي أصدرته نقابة الصحفيين العراقيين بمناسبة رحيل الفقيد بطي، دون غيرها من المؤسسات الصحفية، لأني أعرف تماماً أن للفقيد أرثاً خالداً في تاريخ هذه النقابة. فهو واحد من مؤسسيها، وأحد بناة مجدها المهني والوطني، حتى أن الراحل كان يسألني عن الوضع في نقابة الصحفيين كلما أسعفني الحظ بلقائه بين فترة وأخرى، ويسألني أيضاً عن أوضاع الصحفيين المعيشية والمهنية بعد سقوط النظام.

 

ولد فائق بطي وفي يده قلم كما يقولون، فقد نشأ في بيت ثقافي، وصحافي رفيع، وترعرع في بيئة أدبية وسياسية عالية الشأن والقيمة. فقد كان أبوه روفائيل بطي واحداً من أعمدة الصحافة العراقية في بدايات وأواسط القرن الماضي، حيث أسس أكثر من جريدة ومجلة، كان آخرها جريدة البلاد التي بقيت مستمرة لأكثر من ربع قرن. لذلك لم يكن غريباً أن يصبح أبنه الدكتور فائق بطي أصغر رئيس تحرير في الصحافة العراقية آنذاك. ومع خط الصحافة الطويل والصعب، سار الفقيد فائق بطي أيضاً على خط النضال الوطني السياسي، الذي هو أشد صعوبة وخطورة من طريق الحرف دون أن يترك أحدهما، رغم السجون والمعتقلات والملاحقات، والمضايقات، والغربة التي لا ترحم، لاسيما وأن أبا رافد انتمى لنضالات الحزب الشيوعي العراقي مبكراً جداً، فقارع الطغاة بقلمه دون هوادة، وكان من الطبيعي أن يتعرض لكل هذا الأذى، وهذه الويلات.

 

سأتوقف عند هذا الحد من حياة الفقيد بطي التي يعرفها الكثير من العراقيين في الداخل والخارج، وأتحدث عن مواقف هذا الرجل معي. خاصة وأن له ديناً في عنقي لن انساه. فيوم غادرت العراق الى عمان في أواسط التسعينيات، اتصلت به في لندن، على الرغم من أن علاقتي به لم تكن قوية، لكنني فكرت به دون غيره، ربما لأن جميع الأبواب كانت مغلقة بوجهي. وحين رفع سماعة التلفون وقال: تفضل!

 

قلت له: انا فالح حسون الدراجي..

 

فقال: منو.. فالحنه؟

 

وكم كانت فرحتي كبيرة حين سمعت ذلك.. فقلت له أتمنى أن أكون فالحكم سيدي.. ثم حكيت له ظروفي من طقطق حتى السلام عليكم..

 

فتفهم وضعي، وراح ينشر لي موضوعات في (رسالة العراق) التي كانت تصدر في الخارج.. وكان ذلك النشر باباً واسعاً لعودتي الى ما كنت أحب، وأريد، وأتمنى.

 

ولعل الشيء الأهم الذي كان لأبي رافد دور مهم فيه.. أن الاتحاد الديمقراطي العراقي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو منظمة ديمقراطية تقدمية تضم كوكبة من الشخصيات الديمقراطية العراقية المحترمة، أقام قبل خمسة عشر عاماً حفلاً تأبينياً في ديترويت بذكرى استشهاد البطل سلام عادل، وقد كان أبو رافد حاضراً الحفل، وأذكر إني ساهمت بقراءة قصيدة عن الشهيد سلام، أسمها (سلام الحب). وما أن انتهيت من القراءة وأخذت مكاني بين الحضور حيث كنت جالساً الى جانب الفنان الراحل فؤاد سالم، حتى وجدت الدكتور بطي يقف على رأسي وهو يقول: (أگلك فالح مادام الأخ فؤاد موجود، ليش ما تسوّي هذي القصيدة أغنية، ويغنيها فؤاد..؟

 

فوافقت على الفور، كما أعجبت الفكرة فؤاد أيضاً.. وفي ليلتها أنهيت كتابة النص، ليتحول مشروع الأغنية الواحدة عن سلام عادل بعد ذلك الى شريط غنائي، يضم عشر أغنيات، عن عشرة شهداء وطنيين كبار، كتبت نصوصها جميعاً، وأداها فؤاد كلها بصوته الجميل ليظهر الشريط بعدها بإسم (شهداء الطريق) ..

 

لقد تحقق كل ذلك بفكرة الفقيد أبي رافد، وبدعم وتمويل الاتحاد الديمقراطي.

 

لذا، سأظل أتذكر الدكتور فائق بطي كلما سمعت أغنية الشهيد سلام عادل، أو سمعت غيرها من أغنيات الشهداء الذين كتبت لأرواحهم هذا الشريط المؤثر.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
أخر الإضافات
وزير الأتصالات المهندس مصطفى سند يوجة بجعل الانترنيت مجاني في فترة الزيارات الدينية في العراق
نقابة الصحفيين العراقيين المقر العام تعلن عن رفع القيود الوجبة الثانية
وفاة الفنان المصري القدير عبد الرحمن ابو زهرة
مديرية التربية تحدد ضوابط النجاح والإكمال للصفوف غير المنتهية للعام الدراسي 2025–2026
الاتحاد العام للصحفيين العرب يهنىء الزيدي بمناسبة تكليفه بمنصب رئيس الوزراء
النزاهـة: ضـبط (٦) متـهمين باختــلاس (١,٥) مليار دينار في ضريبة الديوانية
دور المراة النجفية في المجتمع النجفي
النجف تحيي الذكرى السنوية لاستشهاد السيد محمد الصدر (ق س) بندوة فكرية
العقابي يستقبل رئيس شبكة الإعلام العراقي لبحث آفاق التعاون المشترك
نقابة الصحفيين العراقيين تعلن عن رفع ترقين القيود عن الصحفيين ( الوجبة الثانية )
مجلس نقابة الصحفيين العراقيين يقرر الغاء ترقين القيود عن أعضاء النقابة
نقابة الصحفيين العراقيين تعقد اجتماعها الأول برئاسة نقيب الصحفيين العراقيين الأستاذ خالد جاسم
نقيب الصحفيين العراقيين يبحث مع محافظ ديالى سبل دعم الصحفيين وتخصيص قطع الاراضي السكنية لهم
تدريب الحشد تكرم خريجي الدورات القتالية بفوج المهمات الخاصة الأول وتثني على جهود الكوادر التدريبية
وكيل وزارة الثقافة يزور نقابة الصحفيين العراقيين ويشيد بجهودهاالوطنية والمهنية