نازحه بلا جدران

بواسطة عدد القراءات : 1923
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

·      

المشهد العراقي/انتخاب القيسي

الابواب وحدها هي الكفيلة بان تجعلني انام قريرة العين ، والجدران التي قد لا نشعر بأهميتها اليوم قد تغدو كالكنز الثمين الذي قد نفقده في يوم من الايام .

ماذا لو انك بين ليلة وضحاها تفقد كل شيء ولست أنت السبب بذلك ؟ سؤال يطرح نفسه عندما تشاهد النازحين .

 كيف ستكون نظرتك اليهم ؟ قد تخاف ان تقترب منهم لخوفك من عدوى الامراض التي باتت تفتك بهم ، او لأنك لا تحب ان تكون بمكانهم .

 تروي (حورية) حكايتها وحكاية الكثيرات من شبيهاتها في الحال ، فهي تكره تلك الكلمة المرابطة على الشفاه اليوم وهي انتي ( نازحه ) تقول ان تعريفها الحقيقي على أرض الواقع هو ( انتقال شخص من حلم جميل الى كابوس حقيقي لا مخرج منه ) .

 ( حورية ) كل يوم تتلمس بأناملها الخيمة التي تسكنها ، تحاول ان تغوص في خيال وحلم ولا تريد ان تصدق انه واقع مرير قد تعيشه لسنوات أو الى اخر العمر ، أيعقل ان اموت هكذا وأدفن في مكان بائس ؟ تصرخ بصمت وتقول لا أتذكر آخر مرة وضعت فيها مساحيق التجميل على وجهي ، أتمنى أن يكون (المرطب الخاص بي معي الآن وعطري المفضل وملابسي النظيفة ؟ أتتطلع الى يدي اجدها باتت خشنة الملمس وملابسي رثة  وشحوب وجهي ، الذي يراني  يعتقد إني تعديت الستين من عمري ، أتمنى للحظة ان تعود غرفتي لثواني فقط ثواني ليرجع الحلم الي مرة اخرى ، أبني علاء يركض وهو عائد من مدرسته نحوي ليحتضنني ويقول أمي اني جائع ، ويعود زوجي من عمله منهك ويطلب أن أعد له الطعام ، تبتسم وتقول : كنت أتذمر أحياناً ، أما الان فلن اتذمر اقسم اني لن اتذمر بعد الآن ،فقط عودي أيتها الأيام والليالي التي كنت بها إنسانة بجدران وسقف وأبواب موصده ، كم أكرهك يا هذه الأيام حيث الخيمة الباردة ، أنظر من حولي علاء لم يعد موجود ولا زوجي فقد قتلوا بالانفجار لا أسمع سوى صوت صداهم يرن بمسامعي ، كل شيء قد رحل معهم ، الذكريات ، والأمنيات ، حتى كرامتك ، عندما امسيت نازح يشفق الناس عليك ، وفي الليل البارد الطويل تنام وانت مستيقظ ، أشعر ان أحد يحاول ان يلمسني   وأنا نائمه لا أعرف من هو بل اجده يهرب بسرعه قد يكون حيوان سائب او شاذ مجنون  يريد ان ينهش لحمي ، أشعر إنني في غابة ومكان بلا أسوار تحميني .

أجد الناس يتراكضون نحو شيء اسمه (مساعدات) ، والذي يزورنا يشعرنا لوهلة إننا من كوكب اخر وعلامات الأسى تظهر على محياه ، وكأنه نسي إننا كنا نعيش مثله ، وفي بيت وجدران ، تراه يحاول الخروج من المخيم بسرعة لئلا يختنق وكأنه في كابوس ، وما أن تطأ قدمية خارج المكان يتنفس الصعداء ، لكن ماذا عنا ؟ نحن متى سنتنفس الصعداء ؟ نحن قد نغرق بسبب الامطار ، أو نموت من العطش في عز الحر أو من البرد في الشتاء القارس ، يكفي إن الذين احببتهم لم يعودوا موجودين ، كم أتوق لأيام كنت فيها بين تلك الجدران الدافئة ، تزحف الى مسامعي أحاديث النازحين فيما بينهم ، يصل الكلام دون الحاجة الى ان استرق السمع ، فليس للخيمة جدران تمنع الصوت من الوصول اليك ، أجد امرأة تتوسل زوجها أن تبيع إحدى كليتيها من أجل ان يخرجوا من المخيم البائس ويعيشوا في مسكن دافئ يوفر لهم الحياة الكريمة ، وصراخ ( حنان ) كل يوم لا يجعلني أنام فهي فتاة شبه مجنونة أكلتها الذئاب مراراً وتفرقت عائلتها ، كانت تصرخ وتشعر بالخوف دائما وتتمنى الموت ان يأتيها لينقذها ، وفي الخيمة الأخرى كان كان الجميع   فرحين لأنهم حصلوا على ملابس مستعملة من بعض العوائل الغنية ، أما أم عمار فلديها أولاد كثر كل ليلة يتجمعون ليس لتسرد لهم قصص عن الشاطر حسن وعن الأميرة ست الحسن والجمال أو يحلمون بألعاب ، فقد نسوا تلك الاشياء أو الذهاب الى المنتزهات ، بل يتحدثون عن الحلم السراب فهم يتوقون ويشتاقون الى الأبواب التي تغلق وتوصد ، ويحلمون إنهم بعدها سيأكلون شيء اسمه (الجلي – الكيك – الشكولاتة ) إنها أمنيات مستحيلة باتت ، لكنهم كل يوم يعيشونه وكأنه حقيقة .

 هنا تنتهي ( حورية ) من سرد الحلم الحقيقة وتقول سوف أغمض عيني وأقول لنفسي إنه حلم وليس حقيقة .

 لكن ماذا عنك أنت الذي تسكن بيت له جدران وباب يوصد ويمنحك الأمان ، أغمض عينيك مثلها لكن بصورة أخرى ، فقد تجد نفسك بلا جدران في يوم من الايام . 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
أخر الإضافات
وزير الأتصالات المهندس مصطفى سند يوجة بجعل الانترنيت مجاني في فترة الزيارات الدينية في العراق
نقابة الصحفيين العراقيين المقر العام تعلن عن رفع القيود الوجبة الثانية
وفاة الفنان المصري القدير عبد الرحمن ابو زهرة
مديرية التربية تحدد ضوابط النجاح والإكمال للصفوف غير المنتهية للعام الدراسي 2025–2026
الاتحاد العام للصحفيين العرب يهنىء الزيدي بمناسبة تكليفه بمنصب رئيس الوزراء
النزاهـة: ضـبط (٦) متـهمين باختــلاس (١,٥) مليار دينار في ضريبة الديوانية
دور المراة النجفية في المجتمع النجفي
النجف تحيي الذكرى السنوية لاستشهاد السيد محمد الصدر (ق س) بندوة فكرية
العقابي يستقبل رئيس شبكة الإعلام العراقي لبحث آفاق التعاون المشترك
نقابة الصحفيين العراقيين تعلن عن رفع ترقين القيود عن الصحفيين ( الوجبة الثانية )
مجلس نقابة الصحفيين العراقيين يقرر الغاء ترقين القيود عن أعضاء النقابة
نقابة الصحفيين العراقيين تعقد اجتماعها الأول برئاسة نقيب الصحفيين العراقيين الأستاذ خالد جاسم
نقيب الصحفيين العراقيين يبحث مع محافظ ديالى سبل دعم الصحفيين وتخصيص قطع الاراضي السكنية لهم
تدريب الحشد تكرم خريجي الدورات القتالية بفوج المهمات الخاصة الأول وتثني على جهود الكوادر التدريبية
وكيل وزارة الثقافة يزور نقابة الصحفيين العراقيين ويشيد بجهودهاالوطنية والمهنية